للاستفادة من طاقات السوريين والأفغان.. مدير هيئة سوق العمل النمساوية AMS يقترح توزيع اللاجئين في فيينا على المقاطعات
النمسا ميـديـا – فيينا:
أوضح مدير هيئة سوق العمل النمساوية AMS، السيد Johannes Kopf، في تصريحات صحفية حديثة اليوم، الأسباب الهيكلية الكامنة وراء المفارقة الحادة التي تشهدها النمسا حالياً والمتمثلة في وجود 364,000 عاطل عن العمل مقابل نحو 160,000 وظيفة شاغرة عبر البلاد، مؤكداً أن معالجة هذا الخلل تتطلب حلولاً جذرية تتجاوز الحسابات المبسطة، ومن أبرزها مقترحه الداعي إلى توزيع أسر اللاجئين المقيمة في فيينا على مختلف البلديات في المقاطعات التي تعاني نقصاً حاداً في اليد العاملة مثل كارنتن، وذلك بهدف إعادة التوازن الجغرافي والمهني لسوق العمل ومواجهة التحديات الديموغرافية المتزايدة.
تفاقم أزمة الشواغر الشاغرة وحقيقة الأرقام في سوق العمل النمساوي
تعيش النمسا في الوقت الراهن معضلة معقدة في سوق العمل؛ ففي الوقت الذي يُسجل فيه 364,000 شخص كباحثين عن عمل، تواصل الشركات والمؤسسات الاقتصادية شكواها من النقص الحاد في الكوادر الماهرة، حيث تُقدر الغرفة الاقتصادية النمساوية هذا النقص بنحو 150,000 شخص. ووفقاً للبيانات المسجلة لدى هيئة سوق العمل AMS حتى نهاية شهر يوليو، فقد بلغ عدد الوظائف الشاغرة المعلنة رسمياً 79,770 وظيفة، ويرى Johannes Kopf أن هناك عدداً مساوياً تقريباً من الوظائف الشاغرة التي لا يتم الإبلاغ عنها للهيئة، ما يعني وجود نحو 160,000 فرصة عمل تتطلب التعيين الفوري على مستوى النمسا.
التباين الجغرافي الحاد بين تركز العاطلين وتوفر الفرص
وفي مقابلة صحفية مع صحيفة “Salzburger Nachrichten”، أكد Johannes Kopf أن التوفيق بين الباحثين عن عمل والوظائف الشاغرة ليس بالأمر السهل، مشيراً إلى وجود عقبتين رئيسيتين تتمثلان في مكان الإقامة ومستوى المؤهلات. ويظهر التباين الإقليمي بشكل جلي في الخارطة الاقتصادية؛ حيث تتركز غالبية الوظائف الشاغرة في مقاطعات النمسا العليا، وسالزبورغ، وتيرول، وأجزاء من شتايرمارك، بينما يتركز القسم الأكبر من الباحثين عن عمل في العاصمة فيينا. ونتيجة لهذا الخلل الجغرافي، فإن معدل البطالة في فيينا يسجل حالياً ثلاثة أضعاف مستواه في سالزبورغ.
مقترح فرض الإقامة الإجبارية وإعادة توزيع أسر اللاجئين
لمواجهة هذا الخلل الإقليمي، أعاد Johannes Kopf طرح فكرة فرض التزام مؤقت بمكان الإقامة (Residenzpflicht) على اللاجئين. وتبرز مقاطعة كارنتن كواحدة من أكثر المقاطعات تأثراً بالنقص الحاد في العمالة نتيجة التطورات الديموغرافية وتراجع أعداد السكان. وقدم رئيس هيئة AMS مقترحاً مركزاً وصريحاً للتعامل مع الأزمة قائلاً: “عائلة لجوء واحدة من فيينا لكل بلدية في كارنتن، وحينها لن تشكل عملية الإدماج أي مشكلة”. ويرى أن توزيع الأسر بأعداد صغيرة يُسهل اندماجهم في المجتمع المحلي وفي سوق العمل على حد سواء.
أزمة التأهيل التعليمي ومحدودية الخبرات التخصصية
إلى جانب العقبة الجغرافية، تبرز عقبة المؤهلات التعليمية كعامل أكثر حساسية وتأثيراً؛ إذ تبحث الشركات عن عمالة مجهزة ومؤهلة مهنياً، في حين إن كل ثاني باحث عن عمل مسجل لدى AMS لا يحمل سوى شهادة التعليم الأساسي الإلزامي (Pflichtschule). أضف إلى ذلك أن المؤهلات التي يحملها بعض العاطلين لا تتوافق بالضرورة مع متطلبات السوق الحالية. وأوضح Johannes Kopf قائلاً: “في المجالات التي تفتقر إلى العمالة الماهرة، لا يوجد حل سوى التدريب والتأهيل”. ورغم أن الركود الاقتصادي الضعيف الذي شهدته البلاد على مدار السنوات الثلاث الماضية أدى إلى تخفيف الضغط قليلاً مقارنة بعام 2022، وسهل على الشركات العثور على موظفين، إلا أن الأزمة الهيكلية ما زالت قائمة.
الانخفاض الديموغرافي المتوقع والمنافسة الدولية الشديدة
على المدى الطويل، تواجِه النمسا تحدياً ديموغرافياً يتجاوز الأرقام الحالية، حيث يُتوقع أن يفقد سوق العمل النمساوي نحو 120,000 شخص من السكان في سن العمل بحلول عام 2050. غير أن هذا الرقم يخفي فجوة إقليمية هائلة؛ إذ تُشير التقديرات إلى أن فيينا ستشهد زيادة قدرها 160,000 قوة عاملة إضافية خلال نفس الفترة، ما يعني في المقابل أن بقية المقاطعات النمساوية ستعاني من نقص صافٍ يصل إلى 280,000 عامل. وأكد Johannes Kopf أن بطاقة الحمرة-البيضاء-الحمرة (Rot-Weiß-Rot-Karte) لن تتمكن بمفردها من حل الأزمة، حيث لا تجتذب سوى نحو 3,000 شخص سنوياً كمتوسط طويل الأجل، بنمو صافٍ لا يتجاوز 1,500 شخص، يذهب 40% منهم إلى فيينا. وحذر من أن النمسا تتنافس في استقطاب الكفاءات مع دول كبرى مثل الولايات المتحدة، واليابان، وبريطانيا، وهي دول تمتلك موارد ضخمة وتعتمد اللغة الإنجليزية بدلاً من الألمانية.
الاستثمار في طاقات اللاجئين والشباب المقيمين داخل البلاد
بناءً على هذه المعطيات، يدعو رئيس هيئة سوق العمل إلى التركيز بشكل أكبر على الأشخاص المقيمين بالفعل داخل النمسا، مشيراً إلى وجود نحو 40,000 لاجئ مسجلين لدى AMS (من جنسيات مختلفة أبرزها السورية والأفغانية والعراقية)، ينتمي أكثر من ربعهم إلى فئة الشباب تحت سن 25 عاماً. وانتقد Johannes Kopf التباين في التعاطي الإعلامي والسياسي، حيث يُنظر إلى العمالة المستوردة من الخارج على أنها “قوة عمل”، بينما يُنظَر إلى اللاجئين حصراً من منظور “الاندماج”. وأكد وجود إمكانيات هائلة لدى اللاجئين الشباب بشكل خاص، حيث يمكن لنصفهم على الأقل الحصول على مؤهل مهني مكتمل (Lehrabschluss). أما بالنسبة للبالغين، فيرى ضرورة التعامل معهم بدقة؛ فمثلاً الشخص الذي عمل لمدة 15 عاماً في تصليح السيارات في سوريا دون شهادة رسمية، يمكن توظيفه سريعاً في أعمال بسيطة، ولكن الخيار الأفضل والأكثر فائدة للاقتصاد يتلخص في تعزيز مهاراته في اللغة الألمانية ومساعدته على استكمال مؤهل مهني رسمي معترف به.